قيم العمل الصحفي

مقدمة:
كثيراً ما يُطرح السؤال: ما الذي صنع سمعة الـ "بي بي سي" عبر تلك العقود الطويلة؟ لقد نجحت "بي بي سي"، عبر أكثر من 70 عاماً في احتلال مكانة مرموقة على صعيد الممارسة الإعلامية في العالم، وهي اشتقت طابعاً خاصاً، وتقاليد مميزة لعملها الإعلامي. وفي وقت استطاعت فيه احتلال موقعها المتقدم بين وسائل إعلام شديدة التميز، حافظت على قيمها التحريرية، بل وكرستها، وعملت على صيانتها، وتفعليها، ونقلها للآخرين.
 لم يكن الحفاظ على تلك القيم التحريرية التي تمثلت في الدقة، والإنصاف والاستقامة، والحياد، تكريساً للتقاليد القويمة للعمل الإعلامي، وبناءً للسمعة أو حفاظاً عليها فقط، لكنه كان أيضاً الوسيلة الأهم لكسب ثقة الجمهور، وإحراز السبق في ميادين المنافسة.
ففي أوقات الغموض والخطر، وعند بناء السياسات المؤثرة، وعند تكوين الآراء والمواقف في أوقات اللبس وتضارب الحجج أو غيابها، يلجأ الجمهور عادة إلى الأكثر دقة وإنصافاً وحياداً؛ يلجأ إلى "بي بي سي".
تعبّر قيم الدقة، والإنصاف والاستقامة، والحياد عن رؤية "بي بي سي" لمعايير العمل الصحافي الرشيد. وتتباين كيفية قبول وسائل الإعلام والإعلاميين لكل من هذه القيم. فبينما قد تعد الدقة هدفاً سامياً لا يحول دون الوصول إليه إلا نقص الإمكانيات أحياناً، فإن إدراك مفهوم الإنصاف قد يتطلب غوصاً في تفاصيل العمل الصحافي اليومي. أما مفهوم الحياد فيحتاج من الإعلامي إلى الوقوف عند الخط الفاصل بين نقل الحقائق مجردة ونقل الآراء والتصورات عما يجب أن يكون.
وبصورة عامة تمثل هذه القيم الثلاث القيود المشروعة التي ينبغي أن يتقيد بها العمل الصحافي الرشيد في عصر تتلاحق فيه الأحداث، ويصعب فيه إخفاء الحقائق أو صبغها بألوان غير أصلية.

 

 

الدقة: Accuracy

ما الدقة؟
الدقة في العمل الإعلامي هي تفادي الأخطاء بأنواعها المختلفة؛ المعلوماتية، والموضوعية، والطباعية، والنحوية، واللغوية، وغيرها.
والدقة مرادف للسلامة والصحة، وهي لا تحتاج فقط التزام الصحيح، والتثبت من صحة الآراء والمواقف والمعلومات ونسبها، لكنها تحتاج أيضاً إدراكاً للسياق، وامتلاكاً للخلفية التي تحول دون ارتكاب الأخطاء.
ففي عالم يزدحم بوسائل الحصول على المعلومات، لا يميز وسيلة عن أخرى أفضل من معيار الدقة.
وفي ظل التطور التقني والتنافس الحاد بين وسائل الإعلام؛ ليس هناك أسوأ من أن يقع صحافي في خطأ أو أن تنشر وسيلة إعلام ما معلومات غير صحيحة.
وتزدهر أدبيات الصحافة بمقولات شهيرة تحض الصحافيين على توخي الحذر، وتفادي عدم الدقة بكل السبل. فهناك من يقول بالانجليزية: “If in doubt... Check it out.” أو عند الشك عليك بالبحث للتأكد.
 وكذلك قيل عن المعلومات غير المؤكدة:
If they can not be checked out, they should be chucked out.” أي أن المعلومات التي لايمكن التأكد منها ينبغي التخلص منها.
ورأس مال أي مصدر للمعلومات هو الدقة. كما أن قيمة الصحافي، أو المراسل الميداني بالتحديد، ترتفع كلما كانت أخباره دقيقة. ونقطة البداية في تحقيق القيم الخبرية الأخرى؛ مثل الإنصاف أو الحياد، هي الدقة. فالدقة بمنزلة أم القيم الأخرى التي يجب أن يلتزمها العمل الصحافي. فإن كانت تفاصيل الخبر غير دقيقة، أو كان الخبر غير صحيح من الأساس، لن تكون هناك أي قيمة لتغطيته بإنصاف أو حياد.
وتتساوى أهمية عنصر الدقة لدى معظم وسائل الإعلام الجادة. فحتى تلك التي تتخذ مواقف وتوجهات سياسية واضحة (أي أنها لا تدعي الموضوعية أو الحياد، وتعترف بالانحياز لموقف ضد آخر)؛ عليها أيضاً التزام الدقة. فكل قوانين العالم المنظمة للعمل الإعلامي تعاقب على الوقوع المتعمد في الأخطاء المعلوماتية، وتلزم من ارتكب مثل تلك الأخطاء بالتصحيح والاعتذار، وهو أمر لن يسعد  المسؤولين عن أي وسيلة إعلام. كما أن كثرة التصحيحات والاعتذارات تؤدي إلى فقدان وسيلة الإعلام لجمهورها، الذي لن يكون بمقدوره الثقة بمعلوماتها إن تكررت حالات التصحيح والاعتذار.
لذلك كله وضعت "بي بي سي" لنفسها قاعدة ذهبية فيما يتعلق بالدقة وهي: "أن تتأخر عن منافسيك في إذاعة خبر صحيح خيرٌ من أن تسبقهم في إذاعة خبر غير صحيح"
It is better to be second and right than first and wrong.’
 أي أن خسارة السبق الصحافي مع الحفاظ على الدقة أولى من السبق بالخطأ.

تحري الدقة:
تتحقق الدقة في العمل الإعلامي عبر آليات تحري الدقة، التي تشمل ما يلي:
•    التركيز على الحقائق؛ فالعمل الإعلامي يعتمد على الحقائق فقط فيما يتعلق بالتغطية الخبرية خصوصاً، بما يستلزمه ذلك من اعتماد التقديم الواقعي، والبعد عن الأخبار والمعلومات المختلقة والمفبركة، والتي لم يتسن التأكد من صحتها.
•    نسب الآراء والمواقف والمعلومات لمصادر واضحة مذكورة بطريقة صحيحة ومعرفة تعريفاً متكاملاً.
•    ذكر أسماء العلم، والمعلومات، والأرقام، والحقائق على نحو صحيح.
•    تحري الصحة في حالات الغموض واللبس بتكرار البحث والسؤال والتقصي.
•    مراجعة المعلومات التي يتم الحصول عليها سواء من الزملاء أو المنافسين أو المصادر المختلفة، والتثبت من صحتها قبل نشرها، كلما كان ذلك ممكناً.
•    استخدام الحس الصحافي، وامتلاك الخلفية الثقافية، وإدراك السياق العام الذي يؤهل الصحافي لاختبار سلامة المعلومات التي يحصل عليها بصرف النظر عن مدى صدقية المصدر الذي استقى منه الصحافي تلك المعلومات.
•    تفادي أخطاء الطباعة، والنطق، والنحو، واللغة، والمعلومات، وغيرها.

الأخطاء مكلفة:

ليست الصدقية وثقة الجمهور هي كل ما يخسره الصحافي نتيجة عدم الدقة؛ فثمة خسائر أخرى مكلفة أيضاً. فعندما يتسبب الخطأ في الإساءة لشخص أو أشخاص أو مؤسسات أو حتى دول، من غير المستبعد أن يلجأ المتضررون إلى القضاء لطلب التعويض. وعادة لا تتسامح المحاكم مع مرتكبي الأخطاء، فلن تقتنع هيئة المحكمة بأن السبب في الخطأ هو نقص خبرة الصحافيين، أو ازدحام الأجندة الخبرية في يوم بث الخبر أو أي أعذار أخرى قد تكون منطقية خارج نطاق الإجراءات القضائية.
وتنصح "بي بي سي" صحافييها بالتالي:
"عليك توخي أقصى درجات الدقة. يجب إجراء البحث اللازم في مضمون ما يُقدم من أخبار أو برامج. كن على استعداد للتأكد وإعادة التأكد من كل معلومة. واطلب النصح ممن هم أكثر منك دراية إن تطلََّب الأمر. حاول كلما أمكن أن تكون أنت المصدر الأول للمعلومات بأن تكون في موقع الحدث بنفسك. وإن تعذر ذلك، حاول جاهداً أن تتحدث إلى من كان في موقع الحدث."

في موقع الحدث:
أكثر المعلومات دقة هي تلك التي تحصل عليها بنفسك أو من زملائك الذين كانوا في موقع الحدث؛ إذ إنهم ينقلون ما شاهدوا وسمعوا بأنفسهم. بالطبع لن يكون ذلك ممكناً في الحالات كلها؛ وبالتالي فإننا غالباً ما نعد تقاريرنا بناء على معلومات حصلنا عليها من آخرين. وهنا يُفضل أن تعتمد على من نسميهم المصدر الأول أو first-hand sources؛ مثل شهود العيان. لكن عليك أن تعلم جيداً أن هؤلاء ليسوا صحافيين محترفين، وهم عادة لا يتذكرون التفصيلات.
ففي حالات الجرائم أو الانفجارات يكون شهود العيان واقعين تحت كم هائل من الضغوط النفسية والعصبية، وبالتالي من المرجح أن تتسم رواياتهم بالارتباك وعدم التناغم.
وتذكر أيضاً أن البعض من شهود العيان قد يتعمد تقديم معلومات مغلوطة. ففي مناطق النزاع وخلال الكوارث الطبيعية، عادة ما يحاول شهود العيان تقديم المعلومات بحيث يرسمون لأنفسهم صورة وردية، أو يقدمون أنفسهم على أنهم أبطال، أويحاولون تجنب التورط في المشكلات.
وبصفة عامة حاول قدر الإمكان ألا تعتمد على مصدر واحد، بل ابذل المزيد من الجهد والوقت لتتأكد من الرواية التي ستبني عليها تقريرك أو قصتك الخبرية.

مصادر معتمدة:

بعض المصادر قد تكون أكثر صدقية، أو على الأقل على درجة أعلى من المسؤولية تجاه الجمهور؛ مثل:
•    الشرطة، والإسعاف، والمطافئ، والمستشفيات.
•    المصادر القضائية؛ مثل المحاكم.
•    المسؤولون الرسميون.
وفي معظم الحالات يمكنك اعتبار أياً من المصادر السابقة معتمداً بما يكفي لأن تنقل عنه الخبر من دون إضاعة المزيد من الوقت في التأكد من مصادر أخرى. غير أن ذلك لا يعفيك من متابعة البحث فور نشر الصيغة الأولية من الخبر، منسوبة إلى المصدر، فربما تحصل على معلومات أخرى أكثر دقة أو أكثر تفصيلاً تؤكد أو تنفي أو تصحح الصيغة الأولية.
وبصفة عامة على المراسل الميداني أن يكون على اتصال وعلى علاقة مستمرة بعدد من المصادر المعتمدة. أحياناً وبسبب الثقة المتبادلة تحصل على معلومات خاصة من مصدر معتمد دون أن يسمح لك بنشرها، ولكن، على الأقل، قد تتمكن من خلالها من نفي روايات أخرى متضاربة تتداولها الأنباء.

النسْـب إلى المصادر:
القاعدة هنا هي أن على الصحافي تعريف الجمهور بمصدر الخبر كلما كان ذلك ممكناً.
أمثلة:
"ويقول شهود العيان إن الطائرة انفجرت فور إقلاعها وقبل مغادرتها أجواء المطار...".

"بينما تقول مصادر الشرطة إن عدد المعتقلين لا يزيد عن مئة، ذكرت جماعات حقوق الإنسان أن ما لايقل عن ألف متظاهر اقتيدوا إلى مختلف مراكز الشرطة بالعاصمة...".

"وذكر مراسل لوكالة رويترز للأنباء موجود في كابل أن القوات التابعة لتحالف الشمال المناوئ لطالبان باتت تسيطر على قلب المدينة...".

"وذكرت شبكة سي إن إن أن اللقطات التي بثتها لأبي مصعب الزرقاوي قد تم التقاطها على الأرجح خلال الشهرين الماضيين...".

وتسمى هذه العملية السابقة: النسْـب إلى المصدر؛ أي أن الصحافي ينسب الخبر إلى مصدره. ولا يعيب إن كان المصدر منافساً طالما كان هو المصدر الوحيد لخبر لا يمكنك تجاهله. فمن الأخطاء الشائعة تجاهل الخبر لمجرد أن مصدره الوحيد وسيلة إعلام منافسة؛ وفي هذا استخفاف بعقلية الجمهور القادر على متابعة المصادر كلها.
وتضمن عملية النسْـب إلى المصدر عدم الوقوع في خطأ نشر آراء أو ترويج شائعات على أنها حقائق. وعلى الرغم من أن النسْـب إلى المصادر غالباً ما يدفع المسؤولية الصحافية أو القانونية عن كاهل الصحافي أو المؤسسة، فإن المسؤولية الأخلاقية تظل موجودة على من قرر بث الخبر. وهنا على المسؤول التحريري الأعلى اتخاذ القرار إن تعلق الأمر بخبر على درجة عالية من الأهمية (التغيير، والتأثير، والتقارب)، ولا يتوافر إلا عبر مصدر واحد.
ففي حالات معينة، وبسبب سمعة وسيلة إعلامية ما، وشهرتها في مجال أو منطقة محددة؛ يجب عليها أن تتوخى المزيد من الحذر، ولا تعتبر نسْـب الخبر أمراً كافياً. فوكالة الأنباء الأردنية (بترا) لا يمكنها الاعتماد على خبر ورد عبر وكالة الأنباء الفرنسية مثلاً يتعلق بتطور كبير في الأردن مثل حادث تفجيرات الفنادق. ولن يعفي نسْـب الخبر "بترا" من المسؤولية، لأنه فور وروده عليها ستنقله وسائل أخرى عنها وليس عن مصدره الأول.
وهناك مثل آخر يتعلق بمدى حساسية الأمر عند النسب إلى مصدر واحد دون التحقق من صحة الخبر؛ ففي خضم الأنباء عن ملاحقة القوات الأمريكية لأسامة بن لادن نقلت وسيلة إعلامية عالمية كبرى عن إذاعة محلية مغمورة خبراً مفاده أنه تم اعتقال ابن لادن، وعلى الفور نقلت وسائل الإعلام في شتى أنحاء العالم الخبر عن الوسيلة الكبرى. ورغم نسب تلك الوسيلة الخبر لمصدره الأول (الإذاعة المحلية المغمورة)، فإن هذا لم يعفها من المسؤولية المعنوية عندما تبين أن الخبر مختلق، ما اضطرها إلى سحبه على الفور.
 أحياناً لا ينطبق في الصحافة القول المعروف :"ناقل الكفر ليس بكافر"... فناقل الكفر في الصحافة قد يكون أشد كفراً من الكافر.

قاعدة الاعتماد على مصدرين:
من قواعد العمل في "بي بي سي" تجنب الاعتماد على مصدر واحد للخبر كلما أمكن، وخصوصاً  لو كان المصدر غير أصلي؛ أي بعيد عن موقع الحدث. فالخبر المستند إلى مصدرين من غير المرجح أن يثبت عدم دقته لاحقاً. لكن عليك التمييز بين المصدر الأصلي والمصدر الناقل؛ فقد تقع في فخ الاعتماد على مصدرين ينقل أحدهما عن الآخر.
ويجب أن تسعى إلى تطوير مهارات مراسلي الميدان بحيث يمكن تدريجياً الاعتماد عليهم كمصادر معتمدة للأخبار. لكن أحياناً ما يخطئ أفضل المراسلين في تقديرهم للموقف، أو في قراءتهم للأحداث، أو يساء استغلالهم من قبل مصادرهم.
لكي تتجنب تداعيات مثل هذه الأخطاء عليك استخدام ما يسمى بالحس العام أو الـcommon sense ، وأن تربط الخبر بسياقاته. فإن تناغم الخبر مع السياق العام الذي يحكمه؛ فهو على الأرجح صحيح، وإن تنافر مع السياق العام فطبق قاعدة: عند الشك عليك بالتأكد.

تجنب تكرار الخطأ:
أخطاء الدقة التي على شاكلة الأخطاء في الأسماء أو الإحصائيات أو الأرقام قد تتكرر في الأخبار والبرامج إذا استخدم الصحافي أو المعد النص أو الخبر السابق نفسه بما يحوي من أخطاء. لتجنب ذلك عليك ببذل مزيد من الجهد في عملك، وعدم اللجوء إلى المعلومات الأرشيفية بشكل دائم، لأنها ببساطة قد تحوي بعض الأخطاء والهفوات. فكلما أمكن قم بالبحث المعلوماتي عبر المصادر الأصلية.

أخطاء في التفصيلات:
قد نرتكب أخطاء معلوماتية لمجرد التكاسل أو التهاون عند بلوغ مرحلة التفصيلات. فالأخبار قد تحتوي أخطاء في التفصيلات مثل: ذكر اسم وزير في إحدى الحكومات مقروناً باسم وزارة غير التي يحمل حقيبتها. أو ذكر تاريخ شهير معين خطأ، أو ذكر اسم ضابط كبير مقروناً برتبة غير التي يحملها، أو ذكر مدينة على أنها عاصمة دولة معينة على سبيل الخطأ.
نعم هذه الأخطاء كلها تكمن في التفصيلات وليس في صلب الموضوع، ولكنها تؤثر سلباً في صدقية الخبر ككل، وتدفع الجمهور إلى الاستخفاف بوسيلة الإعلام التي لم تتحر الدقة في أمور بسيطة كتلك.

أخطاء وسائل الإبراز:
تتضمن وسائل الإبراز الصور، والرسوم البيانية (الجرافيك)، والخرائط، والأفلام المصاحبة للتقارير وغيرها. وفي بعض الحالات، وبسبب نقص الدقة وضغوط العمل، يتم اختيار وسيلة إبراز خاطئة لمصاحبة نص أو تقرير معين. وفي حالات أخرى يتم اختيار وسيلة الإبراز الصحيحة (صورة مثلاً)، لكنها تنسب إلى شخص آخر غير الشخص المعني. أن مثل تلك الأخطاء تندرج ضمن أخطاء الدقة، وهي أيضاً مكلفة جداً، خصوصاً وأن الجمهور عادة ما يكتشفها سريعاً، ويعتبرها دليلاً على تهاون الوسيلة وعدم دقتها في عملها.

التأويل الخاطئ:
لا يقتصر عمل الصحافي فقط على نقل الأخبار أو المعلومات منسوبة إلى المصدر بالشكل الذي قيلت به على لسانه. فبعيداً عن التورط بتقديم الرأي كخبر، قد يلزم أن يعطي الصحافي التأويل المحكم الدقيق لما تحدثت به المصادر. فإن تحدث مسؤول بإحدى الدول مخاطباً دولة جارة بقوله: "نفد صبرنا، وقد نستخدم القوة ضدكم للحفاظ على مصالحنا"، فيمكن القول هنا أن تلك الدولة "تهدد باللجوء إلى القوة". لكن في بعض الأحيان يتم التأويل بصورة خاطئة، وهو الأمر الذي يندرج أيضاً ضمن أخطاء الدقة.
مثال: "حذر الرئيس المصري حسني مبارك من مغبة عدم التحرك السوري لاحتواء الضغوط الدولية الراهنة". والصحيح أن مبارك "نصح الحكومة السورية بضرورة فعل شيء ما لامتصاص الضغوط الدولية الراهنة".
عليك إذن تحري الدقة عند اختيار الكلمات لتحويل التصريح أو الرأي إلى خبر. فالآراء هي أيضاً حقائق يجب نقلها بدقة متناهية كما أراد أصحابها التعبير عنها.
وينطبق ذلك عند نقل الرأي خلال إجراء المقابلات. فمن عدم الدقة أن تبدأ مقابلة مع زعيم جماعة سنّية في العراق مثلاً بالقول: "كما تعلم فقد أعلنت الحكومة العراقية دعمها لبقاء القوات الأمريكية في العر اق لأجل غير مسمى...." ففي هذه الحالة ستدور كل المقابلة حول محور غير دقيق.

أخطاء النطق:
في بعض الأحيان ينطق المذيعون أو المراسلون الميدانيون أسماء الأشخاص والمدن بشكل خاطئ؛ الأمر الذي ينال من صدقية الوسيلة الإعلامية، ويضعف ثقة الجمهور بها. ففي إحدى الفضائيات قالت المذيعة ما يلي: "وفي مدينة تل عَـفـَر العراقية..."، والصحيح أنها تل اعفر بخطف الألف سريعاً. إن خطأ مثل هذا قد يولد شعوراً لدى الجمهور بأن تغطية تلك القناة للشأن العراقي يتسم بالجهل والسطحية. وعلى الرغم من أن ذلك الشعور ربما لا يكون صحيحاً وربما اقتصرت الأخطاء على أخطاء نطق بعض المدن أو الأسماء، فإن تلك الأخطاء تنال مباشرة من صدقية الوسيلة. والمشكلة تتفاقم إن كان الاسم الخاطئ يعني شيئاً آخر؛ فقد قالت إحدى مذيعات قناة فضائية معروفة ذات مرة "القيادة القـَطـَرية لحزب البعث"، أي إنها نسبتها إلى دولة قطر. بينما أخطأ محرر في ترجمة اسم مدينة الخليل من الاسم الانجليزي Hebron  فقال مدينة حبرون في الضفة الغربية وحبرون هو الاسم العبري.
ولتجنب هذه المشكلات عليك باستشارة أهل الخبرة. فلا عيب من أن تسأل أحد سكان المنطقة عن طريقة نطق الاسم، كما أن سؤال الضيف قبل المقابلة عن طريقة لفظ اسمه ربما أقل إحراجاً من أن يقوم هو بتصحيح اللفظ على الهواء.
ومتابعة وسائل الإعلام المختلفة تفيد في معرفة كيف تُُنطق معظم مفردات الأخبار. فالاستماع إلى ضيف عراقي وآخر فلسطيني وثالث مغربي سيمكنك من التأكد من كيفية نطق الكثير من الأسماء والمدن، كما سيجعلك قادراً على الربط بين الحقائق بصورة أفضل.

أخطاء في استخدام شبكة الإنترنت:
بسبب تعقد عملية البحث عن المعلومات عبر شبكة الإنترنت، ينبغي أن يتحرى الصحافيون الدقة عند اعتماد معلومات مستقاة من مواقع غير معروفة بالنسبة إليهم. وقد سقط كثير من الصحافيين في فخ المواقع غير الحقيقية أو المواقع المدسوسة التي تدعي تمثيلها لجهات معينة غير أنها في الواقع قد تمثل جهات أخرى تقف على النقيض.
مثال على ذلك قم بمقارنة الموقعين التاليين:

www.wto.org
www.gatt.org

الموقع الأول هو لمنظمة التجارة العالمية، أما الموقع الآخر، والذي يستخدم الاسم السابق للمنظمة، فهو ملك جماعة مناهضة للعولمة، تقوم بتأسيس مواقع مدسوسة لنشر أفكارها المضادة عبر السخرية من المنظمات الدولية والشركات الكبرى.
لتحري دقة وصدقية المواقع يمكنك اللجوء إلى مواقع أخرى متخصصة في إرشادك إلى من يقف خلف الموقع المشكوك فيه. جرب زيارة أحد المواقع التالية وطباعة اسم الموقع الذي تشك في من يقف وراءه، ثم انتظر الحصول على نتيجة البحث، التي قد تكون في معظمها تقنية ومعقدة، غير أنها ستظهر على الأقل عنوان من قام بتسجيل الموقع وتاريخ التسجيل وتاريخ آخر تعديل تم على مضمون الموقع، وكلها مؤشرات تساعدك على التأكد من هوية صاحب الموقع. المواقع الإرشادية هي:

www.coolwhois.com
www.allwhois.com
www.easywhois.com
www.reasearchclinic.co.uk

تصويب الأخطاء:
يجب على الصحافي ووسيلته الإعلامية التعامل مع الأخطاء بالأهمية نفسها التي تم التعامل بها مع الخبر أو التقرير الأصلي؛ فهذا هو أقل واجب تجاه الجمهور. ومن ثم يجب القيام بتصويب الأخطاء فوراً أو في أقرب وقت ممكن وبشكل واضح.
ليس من العيب الإقرار بالخطأ. فالتصويب يحافظ على صدقية الصحافي والوسيلة الإعلامية. وقد أصبح الجمهور على درجة من الإدراك وحسن المتابعة تكفي لاكتشاف أي تلاعب عند حدوث الخطأ، ولذلك فلن يكون مجدياً أن تقطع مداخلة هاتفية تطرح أفكاراً لا تتماشى مع السياسة التحريرية لقناتك التليفزيونية مدعياً أن السبب "عطل فني".
غير أن الإقدام على خطوة التصويب في حالات معينة؛ مثل حالات الأخطاء التي تتضمن قذفاً أو تشهيراً، يجب أن يتم بعد استشارة إدارية وقانونية، حتى لا يتسبب في توريط الوسيلة الإعلامية أو الصحافي قانونياً. فهنا يكون الأمر قد انتقل من مجرد تحمل مسؤولية أخلاقية عن الخطأ إلى وجود تبعات قضائية ومالية قد تؤدي إلى إغلاق الوسيلة. فالأولى حينئذٍ أن تلجأ إلى من هو أعلى منك وظيفياً وإدارياً لاتخاذ القرار النهائي.

عن الدقة في "بي بي سي":

تولي الـ "بي بي سي" أهمية كبيرة لمعيار الدقة في أدائها المهني وأدبياتها في آن واحد؛ والنص التالي يمثل مقتطفات عن الدقة كما تظهر في "دليل الإرشادات التحريرية" لـ "بي بي سي":
يجب على كافة المواد الإعلامية أن تكون دقيقة وصادقة. وبغية تحقيق ذلك، يتعين عليك كصحافي في "بي بي سي" التثبت من المعلومات التي تحصل عليها، والسعي إلى الحصول على المشورة والنصح من رؤسائك في السلم الوظيفي، عند اقتضاء الضرورة.

بيد أن الدقة غالبا ما لا تتوقف عند مسألة الحصول على الوقائع الصحيحة للحدث. فيجب أن يتم إعمال الفكر في كافة المعلومات المتوافرة بغرض الوصول إلى حقيقة ما يتم تغطيته أو وصفه في التقارير التي تبثها المؤسسة.
كما أنه ليس كافيا أن نحصل على الوقائع الصحيحة، فعلينا أن نستخدم اللغة على نحو منصف. وهذا يعني تجنب المبالغة. ويجب توخي الحذر لتفادي استخدام المصطلحات بشكل غير مقصود بحيث توحي بأحكام قيمية، أو بالانجياز إلى موقف أو بانعدام الموضوعية.

يجب أن تخضع عملية إنتاج المواد الإعلامية لبحث وافٍ؛ فالوقائع يجب التثبت من صحتها مراراً. ولدى التعامل مع عامة الناس، قد يتعين عليك أن تتثبت وتتأكد من التفصيلات التي يدلون بها مرات عدة، كما قد يتعين عليك الحصول على أدلة توثيقية تثبت صحة الروايات التي يدلون بها، فضلاً عن هويات رواتها. ويجب عليك السعي للحصول على تأكيدات من مصادر غير تلك التي يقترحها أصحاب الروايات. ومما يساعد في ضمان دقة التقارير التي تعدها أن تقوم بتدوين ملاحظات واضحة أثناء قيامك بالتحدث إلى أي من مصادرك، فضلاً عن ملاحظات في شأن أي تفصيلات ذات صلة بالموضوع.

بعض المصادر قد يكون أكثر صدقية، أو على الأقل على درجة أعلى من المسؤولية تجاه الجمهور؛ مثل:
•    الشرطة، والإسعاف، والمطافئ، والمستشفيات.
•    المصادر القضائية؛ مثل المحاكم.
•    المسؤولون الرسميون.
وفي معظم الحالات يمكنك اعتبار أياً من المصادر السابقة معتمداً بما يكفي لأن تنقل عنه الخبر من دون إضاعة المزيد من الوقت في التأكد من مصادر أخرى. غير أن ذلك لا يعفيك من متابعة البحث فور نشر الصيغة الأولية من الخبر، منسوبة إلى المصدر، فربما تحصل على معلومات أخرى أكثر دقة أو أكثر تفصيلاً تؤكد أو تنفي أو تصحح الصيغة الأولية.
وبصفة عامة على المراسل الميداني أن يكون على اتصال وعلى علاقة مستمرة بعدد من المصادر المعتمدة. أحياناً وبسبب الثقة المتبادلة تحصل على معلومات خاصة من مصدر معتمد دون أن يسمح لك بنشرها، ولكن، على الأقل، قد تتمكن من خلالها من نفي روايات أخرى متضاربة تتداولها الأنباء.

الإنصاف والاستقامة: Fairness and Straight Dealing

ما الإنصاف؟
يمكن تعريف الإنصاف في العمل الإعلامي ببساطة بأنه "اتخاذ الوسيلة والصحافي الإجراءات الكاملة اللازمة لحماية الجمهور والمشاركين في المادة الإعلامية (المصادر على سبيل المثال) من أي تداعيات سلبية غير موضوعية تترتب على إعداد المادة ونشرها أو بثها، على أن يكون ذلك في إطار لا يمس نزاهة المادة ودقتها، ولا يحرم الجمهور من حقه في الاطلاع على التفصيلات اللازمة".

وتلقي الأمثلة التالية المزيد من الضوء على معنى الإنصاف في العمل الصحافي:
-    موظف في الميناء ينقل إليك معلومات خاصة عن تهريب سلع انتهت صلاحيتها. تعده بعدم كشف اسمه، لكنك خلال العمل على إنتاج التقرير، وبسبب التسرع تذكر معلومات تؤدي إلى اكتشافه. الموظف يُفصل من عمله لاحقاً.
-    تحقيق تليفزيوني يشارك به لاجئ سياسي معروف. يشترط عدم الكشف عن مكان إقامته. تستخدم، بسبب قلة المادة الفيلمية، لقطات من المنطقة المجاورة تكشف عن موقع إقامته. بعد أسبوع من إذاعة التقرير يُعثر على جثته في محل إقامته مقتولاً بالرصاص.
الخلاصة: بسبب التسرع والمنافسة قد نتخذ قرارات لها تأثير أوسع نطاقاً مما نتصور. وقد يكون التأثير سلبياً في الوسيلة الإعلامية والجمهور على حد سواء، وكذلك في المشاركين في العمل.

تقول "بي بي سي" في "دليل الإرشادات التحريرية" عن الإنصاف ما يلي:
يجب أن تستند برامج الـ بي بي سي على مبادئ التعامل بإنصاف وشفافية واستقامة مع كل من له علاقة بالمواد الإعلامية التي تنتجها المؤسسة. ويشمل هذا الحرص مصالح المواد الإعلامية، ومصالح من يشاركون فيها، وكذلك مصالح الجمهور. هذه الفئات الثلاث من المصالح مهمة، ولا يمكن ترجيح أهمية إحداها على الأخرى.“

لماذا الإنصاف؟
لا يحقق الإنصاف نتائج معنوية وأخلاقية فقط، لكنه أيضاً يحقق نتائج مهنية إيجابية، ويحول دون خسائر كثيرة يمكن أن تمنى بها كصحافي أنت ووسيلتك على النحو التالي:
-    بعض المشاركين في المواد الإعلامية التي تنتجها (تقارير، تحقيقات، قصص خبرية، برامج، ...) سواء بأنفسهم أو بمعلوماتهم أو بصلاحياتهم لن يرغبوا في المشاركة في المستقبل إن هم شعروا بالتعامل غير المنصف.
-    عدم الإنصاف يؤثر سلباً في سمعة الوسيلة التي تعمل لها، كما يسيء إلى سمعتك المهنية والشخصية.
-    عدم الإنصاف قد يؤدي إلى الوقوع في أخطاء قانونية ربما تقود الوسيلة الإعلامية والصحافي إلى المحكمة.

الأمانة:
الأمانة هي أحد أهم أركان تحقيق الإنصاف، ويلزم لتحقيق الأمانة في العمل الإعلامي ما يلي:
-    التعامل الأمين والواضح في الأغلب الأعم من الحالات مع المشاركين أو المساهمين في إنتاج التقارير والقصص الخبرية والبرامج؛ بمن فيهم أولائك العدائيين بطبعهم أو أصحاب السلوك المشين.
-    أن يكون الصحافي أو المعد واضحاً ما أمكن فيما يخص طبيعة التقرير أو القصة الخبرية أو البرنامج الذي يعده والهدف منه.
-    معظم المشاركين، من أفراد الجمهور، ليسوا على دراية بتقنيات العمل الإعلامي (الإذاعي والتليفزيوني تحديداً)، فلا يجب أن تفترض أن ما تعتبره واضحاً هو بالضرورة كذلك بالنسبة إليهم. فعلى سبيل المثال من غير المعروف لدى بعض المشاركين أن مشاركاتهم قد تتعرض للمونتاج. وبصف عامة يجب إبلاغ المشاركين بما يلي:
•    موضوع البرنامج (وطبيعة العمل بصفة عامة).
•    طبيعة المساهمة المتوقعة منهم.
•    هل حية أم مسجلة.
•    هل ستخضع للمونتاج أم لا.
•    من سيشارك معهم في الحوار.

حظر النشر Embargo:
عادة ما تلجأ بعض الجهات؛ مثل المنظمات الدولية والهيئات الحكومية، إلى إرسال نسخ من تقاريرها أو بياناتها الدورية إلى المؤسسات الصحافية لتسهيل جمع ما يلزم من معلومات وإعداد التحقيقات الصحافية عن الموضوع بشكل جيد قبل الموعد الرسمي لإصدار التقرير المعني. وعادة ما تشترط تلك الجهات حظر النشر لحين حلول الموعد الرسمي. إن قطعت على نفسك وعداً بعدم النشر لحين إصدار التقرير رسمياً، عليك الالتزام بوعدك. فخرق هذه التعهدات يعرض مصادرك للخطر، كما أنه يفقدك ثقة واحترام زملاء المهنة الذين سيعلمون أنك خرقت الحظر لمنافستهم بطريقة غير أخلاقية.

احترام الحياة الخاصة:
القوانين المختلفة تكفل حماية الحياة الخاصة. ولا يوجد مبرر لانتهاك حرمة الحياة الخاصة سوى أن تكون هناك آثار سلبية جمّة على الحياة العامة أي أن تتحول الحياة الخاصة إلى شأن عام. وهناك أمثلة عديدة على ذلك أبرزها قضية وزير الداخلية البريطاني السابق ديفيد بلانكت الذي اضطر للاستقالة بسبب كشف إحدى الصحف معلومات تؤكد حصول خادمة عشيقته على إقامة في بريطانيا بشكل أسرع من المقرر قانونياً. فضح تفاصيل الحياة الخاصة لوزير الداخلية كان بسبب استغلاله منصبه العام لتحقيق مصلحة شخصية غير مشروعة، أي أن القضية تحولت شأناً عاماً ومست المصلحة العامة Public Interest.

مراعاة المشاعر الإنسانية:
عادة ما يتعامل الصحافيون مع أناس يمرون بتجارب إنسانية مأساوية سواء كانوا أقارب ضحايا أعمال العنف أو ممن تعرضوا لاضطهاد أو تعذيب أو ممن شهدوا على وقوع كوارث من نوع أو آخر. يجب أن تحرص كل الحرص على مراعاة الحساسيات الخاصة لهؤلاء. فمن غير الإنصاف أن تستغل انفعالات هؤلاء ومآسيهم كمادة لتقاريرك من دون التأكد من موافقتهم وإقرارهم بما تفعل.
وتجدر هنا الإشارة إلى قصة حقيقة حدثت عندما سقطت طائرة، فقامت إحدى القنوات التليفزيونية بالتوجه إلى منزل الطيار، وأبلغت زوجته بالخبر، بينما كان المصور يلتقط انفعالاتها، وهي تعلم لأول مرة أنها فقدت زوجها. من الواضح أن  ما جرى ينافي أبسط قواعد الإنصاف والاستقامة.

حق الرد:
عادة ما يتعامل الصحافيون مع قضايا جدلية تتضمن وجود وجهات نظر عدة. من الضروري أن تكفل حق الرد لمن قد يتعرض للانتقاد أو الاتهام. إعطاء كل الأطراف المعنية حق الرد يكفل التوازن والموضوعية والإنصاف. كما أن ضمان حق الرد يجعل من القضايا العادلة أكثر إقناعاً وتأثيراً ويقطع الطريق على الطرف المدعى عليه أن يحتج بعدم منحه فرصة التعبير عن وجهة نظره.

حق الرفض:
قد يرفض أحد أو بعض المشاركين أن يكون طرفاً في التقرير أو التحقيق أو البرنامج الذي تعده رغم أن وجوده يعد مطلباً أساسياً لتحقيق التوازن. عليك إبراز الرفض وإعلام المشاهد بمحاولاتك الجادة لإقناعه (إقناعهم بالمشاركة). ورغم ذلك عليك أيضاً التعبير عن وجهة النظر الغائبة إن كنت على دراية مؤكدة بها، أو على الأقل عليك الإشارة إلى غيابها من حين لآخر.

التسجيلات السرية:
في حالات خاصة جداً يمكن تبرير اللجوء إليها أخلاقياً:
•    أن تكون القضية المثارة شأن عام.
•    وأن تتعلق بجرائم ضد المجتمع.
•    أن يستحيل جمع المعلومات بطرق أخرى غير التسجيل السري.
•    ألا تستهدف سلوكاً محتملاً بل يجب توافر أدلة على وجوده المسبق.
•    ألا تشجع أنت كصحافي تكرار السلوك للحصول على التسجيل المطلوب.

عدم الإفصاح عن هوية مصدر المعلومات:

في حالات معينة قد يوافق المشاركون على أن يدلوا بدلوهم في تقريرك أو قصتك الخبرية مشترطين عدم إعلان هويتهم. وفي بعض الأحيان يشترط مشاركون في برنامج إذاعي أو تليفزيوني تغيير صوتهم أو إخفاء صورتهم فنيا. للموافقة على ذلك يجب أن تتأكد من حقيقة وجود أسباب موضوعية أو تهديدات محيقة بهم تبرر ذلك الإجراء. لكن إن وافقت فعليك الالتزام.

 الحـيـاد: Impartiality

 ما الحياد؟

إن القضايا العادلة لا تتطلب انحيازاً، بل إن الانحياز المفرط لها قد يفقدها صدقيتها، فضلاً عن فقدان من يدافع عنها صفة الحياد، التي هي أهم أسلحة الدفاع عن أي قضية. فما الحياد؟
الحياد في العمل الإعلامي هو وقوف الصحافي/الوسيلة (في التغطية الخبرية ودون مواد الرأي) على مسافة متساوية من جميع أطراف القصة/الحدث/الجدل، مع إتاحة الفرص الكاملة لتلك الأطراف، أو من يمثلها، للتعبير عن مواقفها، دون التورط بتبني أي من تلك المواقف. وهو يعد خطاً فاصلاً بين تقديم المعلومة المجردة وبين التحريض والحض على توجه سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ديني معين.
وتمثل الدعاية والإعلانات التجارية المثل الأوضح على عدم الحياد. ولا يجب على أي وسيلة إعلامية أن تتعامل من دون حيادية فيما يتعلق بمواد التغطية الخبرية، لكن بعض وسائل الإعلام يمكنها أن تعلن عن توجهاتها وانحيازاتها كما تشاء في مواد الرأي.
ويجب على الصحافي الذي ينشد تقديم مواد وتقارير وبرامج تتحلى بالحياد أن يسعى إلى تقديم  وجهات النظر كلها بشكل متوازن، وعليه أن ينحي جانباً معتقداته وآراءه الشخصية.

تقديم الرؤية كاملة Presenting the full story:
-    أي منح كل السيناريوات المحتملة أوزاناً متساوية عند رواية الخبر.
مثال: أعلنت الحكومة تخفيضات ضريبية، هذا خبر جيد للجمهور. لكن من أين ستأتي الحكومة بالأموال المترتبة عن العجز. حاول اكتشاف وجهة النظر الأخرى.
مثال: قررت الحكومة مضاعفة طاقة المدارس والجامعات. نعم لكن عليك استطلاع رأي القائمين على التعليم وكيف سيتعاملون مع الضغوط الجديدة.

منح أوقات أو مساحات متساوية (مساحات متساوية):
-    أي منح الأطراف المعنية كلها الأوقات أو المساحات المتكافئة والمتساوية بقدر الإمكان عند رواية الخبر.
-    إن لم تتمكن من استعراض وجهات النظر بشكل متساوٍ في التقرير أو الحلقة نفسها، يمكنك أن تفسح المجال لما تبقى من آراء في تقارير أخرى أو في الحلقة القادمة. وعليك التنويه عن ذلك.
-    التوازن في التغطية يمكن أن يحدث على فترات قصيرة أو متباعدة.

لا تقدم النصيحة:
-    في حالة وجود قضية خلافية، وحتى لو كان أحد الاختيارات هو الأفضل للجمهور بشكل واضح، لا يجب أن تتبرع كصحافي بالإفصاح عن ذلك. فلقد ولى عهد الإعلام التثقيفي أو الإرشادي. الإعلام للإعلام وعلى الجمهور اختيار الأصلح من وجهة نظره هو.
-    عليك ترجيح وجهة نظر على أخرى فقط إن تعلق الأمر بخلاف معلوماتي أي خلاف حول حقيقة وتمكنت من الوصول إلى الواقع كشاهد عيان. هنا فقط رجح أحد الاحتمالات من واقع وجودك على الأرض.

انتبه للمصطلحات:
-    اللغة قد تكشف توجهاتك السياسية. عليك بتجنب ذلك باستخدام أكثر المصطلحات حيادية مثل: مسلحين وليس إرهابيين، الحكومة الإيرانية وليس النظام الإيراني، أعمال مسلحة وليس إرهابية، والأمثلة كثيرة.
-    اقرأ النص جيداً قبل أن يُبث، ربما تجد أحد المصطلحات التي يجب تغييرها.

الأخبار السياسية:
تزداد أهمية الحياد عند تغطية الانتخابات أو خلال فترات الخلاف السياسي الحاد بين توجه وآخر. وعادة ما تحاول بعض وسائل الإعلام حرف اتجاهات الجمهور خلال تلك الفترات من أجل تحقيق مصالح فئات محددة.
يجب على الصحافي/الوسيلة الإعلامية التي تنشد كسب ثقة الجمهور وتعزيز صدقيتها الوقوف على مسافة واحدة من جميع المشاركين في العمليات السياسية التنافسية والخلافية، وأن تقدم للجمهور جميع المعلومات والحقائق اللازمة لمساعدته على تحديد اتجاهه دون أن تتورط بتقديم النصح أو ممارسة الانحياز.

الإعلانات التجارية:
-    من الصعب الوصول إلى نتيجة حاسمة في الجدل حول تأثير الإعلانات التجارية على الأخبار. هل يمكن أن تعض اليد التي تطعمك؟ والحل بالنسبة إلى المؤسسات الإعلامية الرشيدة هو أن ترفض الربط بين الإعلانات التجارية وسياستها التحريرية. أي أن ترفض الإعلانات السياسية، وترفض تدخل المعلنين في مضمون البرامج التي يتم بث الإعلانات التجارية خلالها.